الجاحظ

24

البيان والتبيين ( ط مكتبة الهلال )

ذلك أن للفرس كتبا ورسائل محبرة مثل كتاب كاروند وسير الملوك ، ولليونان كتبا في المنطق والحكمة ، وللهنود كتبا في الحكمة والاسرار وليس للعرب مثل تلك الرسائل والكتب . وفيما يتعلق بالحرب رمت الشعوبية العرب بجهلهم فنون الحرب والأسلحة . فهم لا يتقنون تنظيم الجيوش ولا يعرفون الكمين والميمنة والميسرة والقلب والجناح ، والقتال في الليل . ولا يحسنون استعمال الأسلحة التي يحسنها الفرس كالنفاضة والدراجة والرتيلة والعرادة ، والمنجنيق والدبابة . ثم إن رماح العرب رديئة النوع لا تضارع رماح الفرس الجيدة « 1 » . وقد رد الجاحظ على مطاعن الشعوبية فقال إن الرماح العربية أجود من الرماح الفارسية وهي متنوعة منها النيزك والمربوع والمخموس والتام . وليس صحيحا أن العرب لا يحسنون القتال في الليل ، إنهم يقاتلون في الليل كما يقاتلون في النهار . أما الرسائل المنسوبة إلى الفرس فليست صحيحة ، وهي منحولة ولدها أمثال ابن المقفع وسهل بن هارون وعبد الحميد وغيلان ونسبوها إلى قومهم الفرس . أما ملكة العرب الخطابية فأمر ظاهر جلي لا يحتاج إلى برهان . ويكفي أن نأخذ بيد الشعوبي وندخله بلاد العرب الخلص ، معدن الفصاحة ، ونوقفه على خطيب مصقع أو شاعر مفلق ليعلم الحق ويبصر الشاهد عيانا . صحيح أن للهند كتبا مخلدة ولكنها لا تضاف إلى رجل معروف ، وأن لليونان فلسفة وصناعة منطق ولكن صاحب المنطق كان بكيء اللسان ، وأن للفرس خطباء ولكن كل كلام للفرس إنما هو ثمرة التفكير والدراسة وكد الخاطر . أما العرب فكلامهم وليد البديهة والإلهام ، لا يعانون فيه جهدا ولا يجيلون فكرا . ولذلك يقطع الجاحظ بأن العرب أخطب الأمم « 2 » .

--> ( 1 ) الجاحظ ، البيان والتبيين ، ج 3 ، ص 39 - 42 . ( 2 ) المصدر ذاته ، ج 3 ، ص 47 - 50 .